السيد محمد تقي المدرسي
73
من هدى القرآن
الآية لا تقتصر على مسألة النفقة على الزوجة حيث العدة ، بل هي قاعدة لتنظيم الاقتصاد الفردي ، وحل المشاكل المتصلة به في المجتمع والأسرة ، فلا غرو أن يوسع الغني على نفسه من المال الحلال لأن الله إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن يراها فيه ، قال الإمام أبو عبد الله عليه السلام - وقد سأله أحد أصحابه : عَنِ الرَّجُلِ المُوسِرِ يَتَّخِذُ الثِّيَابَ الْكَثِيرَةَ الْجِيَادَ والطَّيَالِسَةَ والْقُمُصَ الْكَثِيرَةَ يَصُونُ بَعْضُهَا بَعْضاً يَتَجَمَّلُ بِهَا أَيَكُونُ مُسْرِفاً ؟ - : لَا ؛ لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ : « لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ] » « 1 » ، ومن جهة أخرى يجب ألَّا ينفق الفقير أكثر من طاقته تلبية لرغباته الشخصية أو تظاهرا بين الناس أو لكي يوافق المجتمع المحيط في معيشته ومظاهره ، فإن ذلك يوقعه في مشاكل اقتصادية تنتهي إلى انحرافات خطيرة بعض الأحيان . وهذه الآية يجب أن يتخذها الإنسان شعارا في إدارة نفسه وأسرته . وحيث إن النفقة من واجبات الرجل تجاه أسرته وأهله فإن للمرأة الحق في طلب الانفصال عنه لو لم يؤدها الرجل ، فعن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ مَا يُقِيمُ ظَهْرَهَا مَعَ الْكِسْوَةِ وإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ] « 2 » ، ولكن الله يعطي الإنسان شحنة من الأمل برحمته ورزقه ، وفي الوقت نفسه يدعو من طرف خفي الزوجة إلى الصبر والتحمل تسليما لقضاء الله ، وأملا في فضله ، فإنها لا تدري لعل زوجها الفقير يصبح غنيًّا مقتدرا بفضله تعالى « سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً » . [ 8 ] وبعد أن يبين ربنا هذه الحدود الشرعية يحذر من عواقب خرقها وتعديها حيث الفشل والعذاب في الدارين ، فإنها سنة الله التي تتجلى في تاريخ البشرية ، وهي كما تجري في المجتمعات الكبيرة حينما تحادد الله وتخرج عن أمره تجري في الأسرة ذلك المجتمع الصغير ، لأن سنن الله واحدة تجري في الموضوعات الصغيرة بمثل ما تجري في الحقائق الجليلة ، أرأيت سنة الله في النار . إنها تحرق سواء كانت في عود الثقاب أو في فرن عظيم ! من هنا علينا أن ندرس التاريخ لنعتبر به في سلوكنا الفردي في تنظيم حياتنا الأسرية وفي نظام المجتمع وحركة الحضارة . . لأن التاريخ تجسيد لسنن الله وسنن الله واحدة في الصغير والكبير . وتنتظم الآيات اللاحقة في السياق العام للسورة ( التقوى ) من زاوية مباشرة لهذا الموضوع ، ذلك أن التفكر في مصير الأمم الماضية التي تمردت على شرائع الله وسننه فلقيت من العذاب ما لا يخطر ببال بشر كفيل بتنمية روح التقوى عند الإنسان . « وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ » أي : وكم من قرية ؟ ! فكأين تفيد الكثرة . ولعل التعبير بصيغة الكثرة الرهيبة يهدف مواجهة حالة الاسترخاء التي تصيب الإنسان بسبب تواتر نعم الله وتتابع آلائه الكثيرة ، حتى يزعم أن الرب قد غفل عنه أو أهمله أو فوض إليه أمره فيدعوه ذلك إلى الإيغال في الذنوب ، كلا . . إن قرى
--> ( 1 ) وسائل الشيعة : ج 5 ، ص 22 . ( 2 ) وسائل الشيعة : ج 21 ، ص 512 .